الشيخ محمد رشيد رضا

19

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الاعتذار عند اللّه عن إجابة الدعوة ، وبحيا من حيّ من المؤمنين عن بينة قطعية حسية كذلك فيزدادوا يقينا بالايمان ، ونشاطا في الاعمال ، قرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر ويعقوب حيي ( كتعب ) بفك الادغام والباقون بادغام الياء الأولى في الثانية ، وكل من الهلاك والحياة هنا يشمل الحسي والمعنوي منهما . وقد عرف معناه مفصلا في تفسير ( اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ ) وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ لا يخفى عليه شيء من أقوال أهل الايمان والكفر ولا من عقائدهم وأفعالهم ، فهو يسمع ما يقول كل فريق من الأقوال الصادرة عن عقيدته ، والاعذار التي بعتذر بها عن تقصيره في أعماله ، عليم بما يخفيه ويكنه من ذلك وغيره ، فيجازي كلا بحسب ما يعلم وما يسمع منه - وجملة القول إن هذا الفرقان الذي رتبه اللّه على غزوة بدر قامت به حجة اللّه البالغة للمؤمنين بنصرهم كما بشرهم صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهي حجته البالغة على الكافرين بخذلانهم وانكسارهم كما أنذرهم صلّى اللّه عليه وسلّم ، إذ لا مجال للمكابرة فيها ولا للتأويل . * * * إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا قوله « إِذْ يُرِيكَهُمُ » هنا كقوله قبله « إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا » كلاهما بدل من يوم الفرقان . والمعنى ان اللّه تعالى أرى رسوله في ذلك اليوم أو الوقت رؤيا منامية مثل له فيها عدد المشركين قليلا فأخبر بها المؤمنين فاطمأنت قلوبهم وقويت آمالهم بالنصر عليهم كما قال مجاهد ، ومن الغريب أن لا نرى في دواوين الحديث المشهورة حديثا مسندا في هذه الرؤيا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ أي أحجمتم ونكلتم عن لقائهم بشعور الجبن والضعف وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ أي ولوقع بينكم النزاع وتفرق الآراء في أمر القتال ، فمنكم القوي الايمان والعزيمة يقول نطيع اللّه ورسوله ونقاتل ، ومنكم الضعيف الذي يثبط عن القتال بمثل الاعذار التي جادلوا بها الرسول كما تقدم في قوله تعالى : ( يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ ) الآية فان قلت كيف يصح مع هذا أن تكون رؤيا الأنبياء حق وانها ضرب من الوحي ؟ ( قلت ) قد تقدم أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قدر عدد المشركين بألف وأخبر أصحابه بذلك مع أن عددهم 313 ولكنه أخبرهم مع هذا أنه رآهم في منامه قليلا لا أنهم قليل في الواقع فالظاهر أنهم أولوا الرؤيا بأن بلاءهم يكون قليلا ، وأن كيدهم يكون ضعيفا ،